ملخص ليلة 18 جمادى الأولى - الليالي الفاطمية 1428 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم
( حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها )
هنالك مجموعة من الصفات المشتركة بين الخالق ( الله عز وجل ) وبين المخلوق ( الإنسان )، حيث تتجلى هذه الصفات بأبهى وأسمى معانيها لو انطلقت من الله سبحانه وتعالى، لأنه يشكل التكامل المطلق في الوجود، فهو اللامتناهي. وهي قد تتجلى في الإنسان في مظاهر عديدة، فتراها تتجلى في الأنبياء والرسل، كصفة الرحمة، الله سبحانه وتعالى رحمته وسعت كل شيء، ولكن في نفس الوقت الله تبارك وتعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ( وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين )، وتارة تجد هذه الصفات تتجلى في الإنسان العادي حين نرى الناس رحماء بعضهم ببعض، ولكن الصفات تختلف بين الله عز وجل وبين الإنسان، حيث يجعل الله تبارك وتعالى الرحمة صفة للإنسان فم متفاوت الدرجات.
كل ذلك من النعم الإلهية التي من الله تعالى بها على البشر الذي تكون فيه الصفات بدرجة باهتة وضعيفة. فهذا نبي الله يوسف عليه السلام كان جالسا مع الأمين جبرائيل عليه السلام إذ مر بهما شاب رث الثياب، فأخبره جبرائيل أن هذا الشاب هو ذلك الطفل الذي برأ نبي الله يوسف من التهمة الملفقة عليه من عند زوجة العزيز، فها هو الآن قد كبر وأصبح شابا وهو بهذه الحالة، فأمر نبي الله يوسف عليه السلام بأن يأتوا بهذا الشاب ويغيروا حاله إلى أفضل حال، وأنعم عليه بالهدايا والعطايا الكبيرة، فابتسم جبرائيل عليه السلام وقال: أنت أكرمت هذا الشاب لأنه قدم خدمة لك، ولكن الله تبارك وتعالى إذا نظر إلى عبد يوحده آلاف المرات ويصلي له ويحمده ويقرأ القرآن فالله تعالى يعطيه من العطاء الجزيل وينعم عليه، ويهتم به أشد الاهتمام، حتى ولو كان عاصيا.
إن هناك اهتماما كبيرا من الله تعالى للعبد، لننظر إلى الإنسان كيف يهتم بنفسه، فتارة تراه أمام المرأة يجمل نفسه ويسرح شعره. من أين له كل ذلك؟ إنه الاهتمام الإلهي به. كذلك الله تعالى أعطى الإنسان نعمة العين لينظر بها، فترى أن الإنسان يجمل عينه، ولكن كيف يتعامل الإنسان مع هذه النعمة والأمانة التي أعطاها إياه الله تعالى؟ متى نستطيع أن نعرف قيمة هذه النعم؟
كيف نستفيد من هذه النعم؟ هل نستفيد منها باستماعنا إلى الغيبة والقول والحرام، وذكر عبارات وجمل لا ترضي الله تعالى مع أن الله بحانه وتعالى اهتم بالإنسان ووفر له كل هذه النعم المختلفة. فهذا العطاء الرباني يجب أن يصرف من قبل الإنسان في طاعة الله تبارك وتعالى لا في معصيته. فهو سبحانه وتعالى الذي أعطانا الإرادة والعزيمة لنتحكم فيها فيما يرضي الله تبارك وتعالى ونحاول الوصول بها إلى درجات عالية.
الله سبحانه وتعالى جعل ساعة وسمّاها بساعة الحسرة، فيتحسر الإنسان على ما فاته حتى إذا جاءت الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها. فيأتي ذلك اليوم ويتحسر الإنسان على ما فعل وفرط في نعم الله تبارك وتعالى، ويتحسر على عدم استفادته منها. كذلك الإنسان عنده حسرات في حياته كسحرته إذا رأى أقرنائه وهم قد وصلوا إلى أعلى الدرجات والمستويات وهو إلى الآن لم يصل إلى تلك الدرجات، ولكن الحسرة الكبرى تأتي يوم القيامة حين يحشر الإنسان فاضي اليدين، فتراه يقول ( رب ارجعون لعلي اعمل صالحا ) ولكن رب العالمين يعلم أن هذه كلمة هو قائلها.
تنقسم الحسرات إلى عدة أقسام:
1. حسرة على طاعة الله: الإنسان يتحسر عندما يموت ويحكي مع نفسه على أنه لماذا لم يعمل أكثر في حياته، لماذا لم يتصدق، لم يعمل صالحا، لماذا لم يصلي في وقتها، لماذا فوت الطاعات عليه، الإمام الحسن بن علي عليهما السلام يقول: الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود )، فالله تعالى أعطانا طاقة وإرادة لكي نتجنب ساعة الحسرة. الرواية تقول: لمؤمن لا يتحسر على شيء يوم القيامة إلا على ساعة مرت به لم يذكر الله فيها) فاحرص على ذكر الله، ما من مجلس إلا وصلي فيه على النبي وآله الطاهرين.
2. حسرة المعصية: الإنسان الذي يعصي الله تعالى تبقى عنده حسرة لا تذهب إلا بالتوبة النصوح، ولكن مع ذلك يبقى الأثر موجود، فلا يتساوى من لم يعصي ربه ومن عصى ربه ثم تاب.
3. حسرة فوات العمر: أنفاس عمرك آثمان الجنان فلا تشري بها لهباً في الحشر تشتعل، الله تبارك وتعالى أعطانا هذه النعم ووفرها لنا، فعلينا أن نحسن استغلالها فيما يرضيه، فلا نقدم الماديات على المعنويات، لأنه تبارك وتعالى يمهل ولا يهمل، فعلينا أن نستغل كل ثانية من حياتنا، أثناء مشينا، أثناء وقوفنا، علينا أن نستغل كل هذه اللحظات لكي لا نتحسر على فوات العمر.
4. حسرة التقصير في جنب الله: إن الله تبارك وتعالى أعد للمتقين برنامجا سهلا للوصول إليه، من هذه الوسائل هي بعض الأذكار والتسبيحات المرتبطة بالأرقام، مثل تسبيحة الزهراء ( 34 الله أكبر، 33 الحمد لله، 33 سبحان الله ). لننظر إلى أهل بيت النبوة كيف استفادوا من هذه اللحظات وهذه الأذكار. فعلينا أن نكثر من الاستغفار لتطهير وتنظيف القلب، علينا أن نداوم على ذكر ( استغفر الله واسأله التوبة ) ( اللهم صل على محمد وآل محمد ) وغيرها من الأذكار، فالقلب يتنور بها، ويفرج الله عنا إذا كنا نملك هذه القلوب الطاهرة. فكيف يؤمن الشخص بالله وهو يعمل المعاصي ويتهم المؤمنين، فالمؤمن شعار بالسلوك قبل الدين، والمؤمن هو من يجعل أعماله في طاعة الله. لنجعل أهل البيت عليهم السلام قدوة لنا، فالله تبارك وتعالى عظمهم وأعطاهم الدرجات الرفيعة نتيجة لأعمالهم
